فخر الدين الرازي

211

تفسير الرازي

* ( وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ) * ثم قال ( ولا تحزن عليهم ) ان لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الاسلام وينتعش بهم المؤمنون . والحاصل أن قوله ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) نهى له عن الالتفات إلى أموالهم وقوله ( ولا تحزن عليهم ) نهى له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن . ثم قال ( واخفض جناحك للمؤمنين ) الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة ( خافضة رافعة ) أي أنها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطاعات ، فالخفض معناه الوضع ، وجناح الانسان يده . قال الليث : يدا الانسان جناحاه ومنه قوله ( واضمم إليك جناحك من الرهب ) وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) قوله تعالى ( وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ) اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره بأن يقول للقوم : * ( إني أنا النذير المبين ) * فيدخل تحت كونه نذيراً ، كونه مبلغاً لجميع التكاليف ، لأن كل ما كان واجباً ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حراماً ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلاً تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضاً كونه شارحاً لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبيناً ، ومعناه كونه آتياً في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية ، ثم قال بعده : * ( كما أنزلنا على المقتسمين ) * وفيه بحثان : البحث الأول : اختلفوا في أن المقتسمين من هم ؟ وفيه أقوال : القول الأول : قال ابن عباس : هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان : كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن